ابن خلدون
390
تاريخ ابن خلدون
ويطلقهم فتشوف ابنه محمد إلى اللحاق بهم من أجل ذلك وأغراه أهله بالعزم عليه فتسور الأسوار وخرج إلى أبيه فلم يجد خبر الاسترهان صحيحا واستخدمه يوسف ابن يعقوب قائدا إلى الجند الأندلسيين الأندلسيين بتاوريرت فكره المقام على ذلك ونزع عن طوره ولبس المسوح وسار قاصدا إلى الحج وانتهى إلى رباط العباد مختفيا في صحبة الفقراء فوجد هنالك رئيسا من أهل كربلا من بنى الحسين جاء إلى المغرب يروم إقامة دعوته فيه وكان مغفلا فلما رأى عساكر يوسف بن يعقوب وشدة غلبه أيس من مرامه ونزع عن ذلك واعتزم على الرجوع إلى بلده فسار شيخنا محمد بن إبراهيم في جملته قال رحمه الله وبعد حين انكشف لي حاله وما جاء له واندرجت في جملته وأصحابه وتابعيه قال وكان يتلقاه في كل بلد من أصحابه وأشياعه وخدمه من يأتيه بالأزواد والنفقات من بلده إلى أن ركبنا البحر من تونس إلى الإسكندرية قال واشتدت على الغلمة في البحر واستحييت من كثرة الاغتسال لمكان هذا الرئيس فأشار على بعض بطانته بشرب الكافور فاغترفت منه غرفة فشربتها فاختلطت وقدم الديار المصرية على تلك الحال وبها يومئذ تقى الدين بن دقيق العيد وابن الرفعة وصفى الدين الهندي والتبريزي وغيرهم من فرسان المعقول والمنقول فلم يكن قصاراه الا تمييز أشخاصهم إذا ذكرهم لنا لما كان به من الاختلاط ثم حج مع ذلك الرئيس وسار في جملته إلى كربلا فبعث به من أصحابه من أوصله إلى مأمنه ببلاد زواوة من أطراف المغرب وقال لي شيخنا رحمه الله كان معي دنانير كثيرة تزودتها من المغرب واستبطنتها في جبة كنت ألبسها فلما نزل بي ما نزل انتزعها منى حتى إذا بعث أصحابه يشيعوني إلى المغرب دفعها إليهم حتى إذا أوصلوني إلى المأمن أعطوني إياها وأشهدوا على في كتاب حملوه معهم إليه كما أمرهم ثم قارن وصول شيخنا إلى المغرب مهلك يوسف بن يعقوب وخلاص أهل تلمسان من الحصار فعاد إلى تلمسان وقد أفاق من اختلاطه وانبعثت همته إلى تعلم العلم وكان مائلا إلى العقليات فقرأ المنطق على أبي موسى بن الإمام وجملة من الأصلين وكان أبو حمو صاحب تلمسان قد استفحل ملكه وكان ضابطا للأمور وبلغه عن شيخنا تقدمه في علم الحساب فدفعه إلى ضبط أمواله ومشارفة أحواله وتفادى شيخنا من ذلك فأكرهه عليه فأعمل الحيلة في الخلاص منه ولحق بفاس أيام السلطان أبى الربيع وبعث فيه أبو حمو فاختفى بفاس للتعاليم من اليهودي خليفة المغيلي فاستوفى عليه فنونها وحذق وخرج متواريا من فاس فلحق بمراكش أيام عشر وسبعمائة ونزل على الامام أبى العباس ابن البناء شيخ المعقول والمنقول والمبرز في التصوف علما وحالا فلزمه وأخذ عنه وتضلع في علم المعقول والتعاليم والحكمة ثم استدعاه شيخ الهساكره علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه